مجد الدين ابن الأثير

184

المختار من مناقب الأخيار

وقعت عيني عليه امتلأت من رؤيته ، وبين يديه رجل ومعه مصحف بعروة ، وإذا هو شيخ بهيّ ، حسن الوجه واللّحية ، فدنوت وسلّمت ، فردّ السلام وقال : من أين ؟ قلت : من بغداد زائرا إليك . فقال : لو أنّ في بعض البلدان قال لك إنسان : أقم عندي حتى أشتري لك دارا وجارية ، أكان يمنعك عن زيارتي ؟ فقلت : يا سيدي ، ما امتحنني اللّه بشيء من ذلك ، ولو كان لا أدري كيف كنت أكون ؟ قال : أتحسن أن تقول شيئا ؟ قلت : نعم . قال : فقل . فقلت : رأيتك تبني دائبا في قطيعتي * ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني « 1 » قال : فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكي حتى بلّ لحيته وثوبه ، حتى رحمته من كثرة بكائه ، ثم قال : يا بنيّ ، أتلوم أهل الرّيّ على قولهم : يوسف بن الحسين زنديق ؟ ومن وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن ، لم تقطر من عيني قطرة أو دمعة ، وقد قامت عليّ القيامة بهذا البيت « 2 » . وقال عبد الرحمن بن عطاء : كان مرحوم الرّازيّ يتكلّم في يوسف بن الحسين ، فأتيته ليلة وهو يبكي ، فقيل له : مالك ؟ قال : رأيت كتابا نزل من السّماء ، فلمّا قرب من الخلق ، إذا هو مكتوب بخطّ جليل : هذه براءة ليوسف بن الحسين ممّا قيل عنه ، فجاء إليه واعتذر « 3 » . وروي أنّه اعتلّ ، فدخل عليه بعض إخوانه ، فقال له : مالك وما الذي تجد ؟ ألا ندعوا لك بعض هؤلاء الأطبّاء ؟ فأنشأ يقول : بقلبي سقام لا يداوى مريضه * خفيّ عن العوّاد باق على الدّهر « 4 »

--> ( 1 ) جاء في هامش ( ب ) : وله بيت يأتي ، رأيته في « الإحياء » : كأنّي بكم واللّيت أفضل قولكم * ألا ليتنا كنّا إذا اللّيت لا تغني ( 2 ) حلية الأولياء 10 / 240 ، تاريخ بغداد 14 / 317 ، 318 ، مختصر تاريخ دمشق 28 / 75 . ( 3 ) تاريخ بغداد 14 / 318 ، مختصر تاريخ دمشق 28 / 77 . ( 4 ) مختصر تاريخ دمشق 28 / 77 .